
حين يلتقي الفن والفضاء والحلم… وحين يصبح التأمل ضرورة
Phréatique. Langage et création، العدد 49، صيف 1989، ص. 107-116.
انظر: الفن الفضائي، العجلة السماوية الكبرى، رسائل البشر إلى الكون
ص. 107
هل يمكن في النهاية الإفلات من هواء زمنه… وماذا يعني الإفلات منه حين يحمل هواء الزمن عبير ذاته… وحين ينطوي على بذور صيرورته الخاصة…
…لو طُرح علي سؤال تعيين العمل [الفني] الذي كان خلال هذه السنوات الأخيرة الأشد حضورا، والأكثر «فاعلية»، والأكثر تلقيا لدى معاصرينا، العمل الذي سيكون قد ترك بصورة دائمة (بل لا رجعة فيها) الأثر الأقوى، العمل الذي لن يعود بعده شيء كما كان من قبل، العمل الذي — دون أن نجرؤ على الأمل فيه — كنا ننتظره منذ زمن طويل، العمل الذي كان غير مسبوق والذي كان سيشق طريقه خفية في الأذهان ويغذيها… حسنا، يمكنني أولا أن أؤكد أن هذا العمل موجود، لكن يمكنني أيضا أن أقول إنه ليس من صنع فنان بوصفه فنانا، وإنكم صادفتموه حتما… وإنكم تركتم أنفسكم تتشبع به!
بل أكثر من ذلك، يمكنني أن أقول عن هذا العمل — أيا كان الابتذال الذي يُخضع له — إنه سيظل يحمل دائما قوته الهائلة على الكشف لمن يصادفه لأول مرة، وإنه سيواصل في العمق تلقين النظرات أسرارها.
فهو إذن ليس ثمرة رسام، ولا ثمرة شاعر أو مهرج أو موسيقي، بل هو في الواقع حصيلة أجيال عدة من البشر، من الباحثين والمهندسين، وتتويج لجهد جماعي، يقرن المعرفة بالدراية، جهد لم يكن لنا في النهاية إلا أن نفخر به.
قد تسألونني إذن: وما هو هذا العمل الفني الذي يمكنه أن يحتمل كل هذه الصفات المبالغة… والذي، فوق ذلك، قد غيّر نظراتنا إلى الأبد كما تقولون؟ و… الذي قد يحتوي في لحظة واحدة «كلّيةً» من المواقف…؟ كيف، ألم تهتدوا إليه؟ حقًا؟ ألم تهتدوا إليه بعد… تلك اللحظة في تاريخ البشرية… تلك المرة الأولى التي اكتشف فيها الإنسان بعينيه موطنه… تلك اللؤلؤة الزرقاء المعلّقة في الفضاء، تلك الواحة التي يغزر فيها الماء، وتعتدل فيها درجات الحرارة، وتلتفّ فيها الغيوم في دوّامات هائلة… ألم تروها، ولم تتوقفوا عندها في ذلك اليوم؟ ألم تحلموا، أما كنتم لتحلموا وأنتم تتأملونها، هذا العمل، هذه الصورة الفوتوغرافية الأولى للأرض التي صادفتموها… ألم تحرّك فيكم شيئًا؟… وفي اليوم الذي
ص. 108
نفثت فيه تشيرنوبل رذاذها السام، ألم تشعروا، أنتم الذين صار لكم بها الآن كشفٌ، بما يشبه «ألمًا في الكوكب»، في كوكبكم، هذا المهد المهدَّد، هذه الواحة الصغيرة، حديقة الحياة، على مرمى حجر من نجمها الأم، الشمس؟ لكن فكّروا مرة أخرى: في ذلك اليوم، يوم لقائكم الأول بهذه الصورة الأولى للأرض، ألم تُلقوا نهائيًا، ومن غير وعي، في غياهب الماضي… بخريطة العالم وتمثيلها المفهومي، غير الملموس، اللامادي، الباهت والعتيق، لصالح «فهم جديد» لكوكبكم، بقدر ما جعلتنا الصور الجديدة التي قُدّمت لنا منذ ذلك الحين «نشمّه» و«نتذوّقه» و«نلمسه» بالنظر، وباختصار جعلتنا من الآن فصاعدًا نحبّه حقّ قدره!…
… ولو سُئلت الآن أن أحدد أجمل قصيدة أُتيح لي أن أكون شاهدًا عليها، لأجبت من غير أدنى تردد بأنها المشهد الذي أُتيح لي فعلًا أن أعيشه في الزمن الحقيقي — بفارق ثانية ضوئية واحدة — أعني تلك الليلة التي وطئ فيها الإنسان بقدميه ذلك الجرم، القمر، الذي لم يحاول حتى ذلك اليوم، 6 يوليو 1969، أن يقتنصه سوى بعض المجانين الحالمين، بشباكهم الصغيرة، في انعكاسات أكثر المياه هدوءًا وصفاءً.
… ولو سُئلت أيضًا أن أشهد وأن أروي تلك اللحظات التي تخنقك فيها العاطفة، لاستعدت تلك الليلة من شهر أغسطس التي ظهر فيها، على خلفية القبة السماوية، قمر صناعي في مدار منخفض، تلك الليلة التي تجلّت فيها بوضوح الحدودُ الجديدة لمسؤولياتنا، كما تجلّت الميادين الجديدة «للمطلب»… لكنني سأتحدث عن تلك الليلة بعد لحظات.
بطبيعة الحال، لم يكن للفنان الذي هو أنا إلا أن يأخذ في الحسبان لقاءاته مع العاطفة، ولم يكن له أيضًا إلا أن يعبّر عنها، بعد أن تكون حساسيته (؟) وبصيرته المستبقة (؟) وحدسه (؟) قد استوعبتها لتترجمها في مفهوم فني ما لا مرجع له، وإن كان نابعًا من ذلك… الروح الشهيرة للعصر ومحمولًا عليها…
وهكذا، ظهرت في ذهني مرات عدة مفاهيم فنية، كتلك الكتابات التي تظهر على البلورات السائلة، بصورة طبيعية تمامًا، وعن اثنين من هذه المفاهيم أودّ الآن أن أدلي بشهادتي.
«العجلة السماوية»… أحد أوائل مفاهيم الفن الفضائي
«…تخيّلوا إكليلًا من النجوم حول كوكب، كعيد كبير، كإفراطٍ يتجاوز كل مقياس، لكنه على مقياس الكائنات التي يحملها هذا الكوكب. أغمضوا أعينكم، تخيّلوا… تخيّلوا أيضًا… إكليلًا من النجوم كحليةٍ حول كوكب…
والآن، افتحوا أعينكم: ماذا لو كانت الأرض هي هذا الكوكب، ولو كان إكليل النجوم هذا هو العجلة السماوية، ولو كان إفراط هذه العجلة السماوية يدلّ على فكرة «المطلب» الجديد و«الاختلاف»، فيما ينبلج فجر الألفية الثالثة على البشرية؟…»
من الناحية الزمنية، وُلد مفهوم العجلة السماوية من صدمة عاطفية، ثم من فرصة مرتبطة بالتقدم التكنولوجي الذي تحقق في إطار غزو الفضاء، وهو تقدم كنت سأحاول أن أمتلكه لأجعل منه «أدوات» إبداع جديدة ذات غاية فنية.
ص. 109
أما الصدمة العاطفية فتعود الآن إلى نحو خمسة عشر عامًا، في ليلة بلا قمر، حين كنت حالمًا يقظًا مستلقيًا على ظهري، ظهرٍ «مستقرٍّ» جيدًا على الأرض — وكانت عيناي تداعبان بنظراتهما كوكبات السماء، ووعيي يتبدّد في أبدية الفضاء. كان ذلك في تلك الفترة من شهر أغسطس التي تكون فيها السماء الليلية عيدًا يتزيّن بألف شهاب وشهاب.
في لحظة النشوة تلك، كنت أطفو بكليّتي وسط النجوم والأبدية حين ظهر، عند أطراف مجال رؤيتي، في سكون صمتٍ لا حدّ له واتساعه، قمر صناعي في مدار منخفض، لا تزال تضيئه شمس كانت قد غربت منذ زمن طويل، متلألئًا كنجم من القدر الأول، وراح يعبر قبة السماء قطريًا، إلى أن اختفى بعد لحظات، في ذلك الصمت المذهل نفسه، وقد ابتلعه مخروط الظل الذي تلقيه الأرض.
في ذلك المساء، كانت «القصيدة» هي الكون بأسره، وكان «أنا» القصيدة هو ذلك النجم الاصطناعي: ها هو الإنسان الآن يخطّ أثره على الضجيج الخلفي للقبة السماوية، وها هو، بعد أن غزا اللامتناهي في الصغر، يشرع — هذا الإنسان — في دفع أبواب اللامتناهي في الكبر بذراعيه الصغيرتين الهشتين.
في تلك اللحظة بالذات، أدركت أن العلم قد أصبح «ذاتًا» في الخطاب. علمٌ وخطابٌ تحت تصرّف الإنسان، بين يديه، في تناغم مع قدراته الجينية، ومن خلالهما يتكشّف له مقياسه الحقيقي كما يتكشّف تاريخ مصيره. وفي تلك الليلة، أخذت أتمنى أن يأتي يوم يخطّ فيه الإنسان، لا الأثر بعد الآن، بل علامة طموحه، علامةً كتذكير يردّد له صدى مطلب هذا السعي، علامةً كمنارة، كطوطمٍ هو في آن واحد محفّز وشاهد.
وبفضل تطور التقنيات الفضائية (التي دُفعت إلى أقصى حدودها)، تبلورت هذه العلامة، وهي أيقونة ذهنية من نوع جديد، في مفهومها وفي شكلها.
في الواقع، تقوم العجلة السماوية أساسًا على مفهوم الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة إلى الأرض، وعلى مدارها الخاص. فهذه الأقمار الصناعية، التي بات استخدامها شائعًا اليوم، ولا سيما في مجالي الاتصالات والأرصاد الجوية، تشترك في خصائص محددة. فهي على وجه الخصوص موزّعة كلها على دائرة كبرى واحدة تقع في مستوى خط الاستواء الأرضي، ونصف قطر هذه الدائرة الكبرى يساوي 7 أضعاف نصف قطر الأرض. ومن جهة أخرى، فإن الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة إلى الأرض، بعد «وضعها» في مدارها (تلك الدائرة الكبرى الشهيرة)، تتميز بأنها تبقى دائمًا عموديًا فوق النقطة نفسها من الأرض. وهذا يعني، بعبارات أكثر علمية، أنها تتحرك بسرعة زاوية مساوية تمامًا لسرعة الأرض. وعلى الصعيد العملي، يعني ذلك أنه لو كان قمر صناعي ثابت بالنسبة إلى الأرض مرئيًا من الأرض، وكان «هناك» في السماء حين تنظر إليه من حديقتك، لأمكنك في أي لحظة من النهار أو الليل أن تخرج لتتحقق من أنه لا يزال «هناك»، في الموضع نفسه تمامًا من السماء.
لقد أُطلق بالفعل أكثر من مئة من هذه الأقمار الصناعية إلى هذه الدائرة الكبرى، ومن السهل أن نتصوّر أنها تشكّل نوعًا من «قلادة» هائلة تحيط بالأرض كحلقة عملاقة من حلقات زحل.
وبناءً على ما تقدّم، كانت الفكرة إذن أن يُضاف إلى الأقمار الصناعية المقبلة من هذا النوع جهاز تقني يمكن التحكم فيه عن بُعد من الأرض، وقادر على أن يبعث عند الطلب إشارة ضوئية يكون لها، إذا رُئيت من سطح الأرض،
ص. 110
لمعانٌ — أو قدرٌ — يساوي أو يفوق لمعان كوكب الزهرة حين يبلغ سطوعه ذروته.
وحين يُجهَّز ثلاثون إلى أربعون من هذه الأقمار الصناعية على هذا النحو، يصبح بالإمكان إضاءتها بأمر من الأرض، فترسم في السماء… عجلةً سماوية عملاقة.
… تشكيلاتها…
يتيح هذا الجهاز (مجموع الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة إلى الأرض المجهَّزة على هذا النحو) تشكيلات إضاءة متنوعة. فيمكن مثلًا، بعد أن يُتّخذ القرار بتوافق الآراء، «إضاءة» جميع الأقمار الصناعية المجهَّزة على هذا النحو عند الساعة صفر بالتوقيت العالمي، ثم عند الساعة 08 وعند الساعة 16 بالتوقيت العالمي، لمدة 5 ثوانٍ: وحتى بمعزل عن «العلامة» التي ستخطّها في السماء، ستكون العجلة السماوية بمثابة إشارة توقيت على مقياس الكوكب، إذ تجسّد مستوى خط الاستواء الأرضي، الذي لا يبتعد عن مستوى مجرتنا إلا ببضع درجات. ونلاحظ أيضًا أن ميلها بالنسبة إلى الأفق سيختلف من مكان إلى آخر بحسب نقطة الرصد: فمن خط الاستواء ستبدو عمودية تمامًا، وكلما «صعدنا» نحو أحد القطبين ازداد ميلها شيئًا فشيئًا، إلى أن تُرى أفقية عند بلوغ أحد القطبين.
وبمناسبة بعض التظاهرات العالمية الكبرى (الألعاب الأولمبية، المعارض العالمية، قمة نزع السلاح)، يمكن اعتماد أنواع أخرى من تشكيلات الإضاءة، بأن تُجعل الإشارة الضوئية — مثلًا — تجري من قمر صناعي إلى آخر بإيقاعات مختلفة، أو بأن تُجعل الأقمار تتلألأ واحدًا تلو الآخر، أو اثنين اثنين… وذلك كل 3 أو 6 ساعات، طوال مدة هذه التظاهرات. ومن خلال نوع من الشيفرة، ستعبّر أشكال البرمجة الضوئية هذه للعجلة السماوية عن أن العيد أو التأمل قائمٌ، في هذه اللحظة، في مكان ما على الأرض.
وفي ليلة عيد الميلاد، يمكن أن تتلألأ جميع الأقمار الصناعية على هيئة «إكليل سماوي»، إكليلٍ يُضاء أيضًا بمناسبة رأس السنة الصينية، ورأس السنة اليهودية…
ثم إنه لو أصاب الجنونُ البشرَ، ولو اندلع نزاع نووي، لكان على العجلة السماوية أن تنبض باعثةً بشيفرة مورس نداءات استغاثة ضوئية على هيئة S.O.S.
وفي نوع آخر من التشكيلات، ستتيح العجلة السماوية أيضًا تحقيق حلم قديم، ألا وهو رؤية سرعة الضوء. فكما هو معلوم، ينتشر الضوء بسرعة 300,000 كم في الثانية. والحال أن محيط العجلة السماوية يزيد قليلًا على 280,000 كم. فإذا جعلنا الضوء «يجري» من قمر صناعي إلى آخر، لرأيناه يمرّ ثانية في السماء بعد نحو 9/10 من الثانية! (وهي المدة التي يستغرقها لقطع المحيط المذكور). لكنني، بطبيعة الحال، ومن حيث رمزيتها، أتمنى أن يتمّ «تدشين» العجلة السماوية، أي إضاءتها الأولى، تحديدًا بمناسبة 1 يناير من عام 2000.
… منارة ورمز…
العجلة السماوية، هذه المنارة في الفضاء، هذه العلامة التي لا مرجع لها، صُمّمت وتجلّت
ص. 111
لي رمزًا ملموسًا ومنارةً كاشفة لبُعدنا الإنساني الخاص والجديد في فجر الألفية الثالثة: بُعد قدرتنا على «المعرفة العملية»، وقدرتنا على أن نعرف كيف نطرح على أنفسنا أسئلة جديدة، كما على أن ندير «طوف» نجاة في الفضاء، لؤلؤةً زرقاء ما في الكون، كوكبًا اسمه الأرض، أمّنا المرضعة. وتعبّر تشكيلات تلألئها عن العيد وعن الأمل في شيء آخر.
عند ملتقى الفن والمصارف والصناعة، تجسّد العجلة السماوية وتوضّح حلول التحوّل الحضاري الذي يلوح في الأفق. فمقدماتها لم تعد تنتمي إلى المسعى الفني الكلاسيكي، وتحقيقها يستدعي مشاركة الجماعة بأسرها.
أما تمويلها — وقد يتجه الحل نحو مشاركة جميع الحكومات التي تنضم إليها، كلٌّ بحسب ناتجها القومي الإجمالي — فسيكون الدليل على أن إرادة ثقافية قد استطاعت أن تغيّر الطبيعة التقليدية للاستثمار، استثمارٍ لا يندرج بعد الآن في إطار النموذج الصناعي وحده ولا في منظوره، بل ينطبق — أيضًا — على شؤون الفكر.
إن العجلة السماوية، بوصفها إشارة متعددة القراءات، يتلقاها كلٌّ ويشحنها بالمعنى بحسب ذاتيته وثقافته، يمكن أن تكون من تلك المصنوعات — شأنها شأن الإنجازات البشرية الكبرى الأخرى (الهرم الأكبر مثلًا) — التي بلغت من الاكتمال ما يكفي لتعبّر بذاتها عن الإحساس برغبتها الخاصة.
وهي، إذ تحركها شحنة شعرية لا نظير لها، تعبّر في نظري عن تغيّر المقياس والإرادة في تاريخ البشر.
… قوة المفهوم: مغامرته…
يبلغ هذا المفهوم اليوم نحو عشر سنوات من العمر، فماذا آل إليه في هذه السنوات العشر، وهل كان بوسعي أن أتوقع ذلك؟ منذ عشر سنوات، تواصلت بطبيعة الحال دراسات تقنية لدى عدة هيئات دولية، تتيح التحقق من جوانب الجدوى ومن صعوباتها. (قبل خمس سنوات، لم تكن الجدوى ممكنة إلا باستخدام الخبرة العسكرية، وكانت الجدوى المدنية لا تزال «متأخرة» بعامل عشرة أُسّ سالب اثنين فيما يخص الطاقة المطلوبة على متن كل قمر صناعي. لكن، قبل عامين، تقلّص هذا العامل ليصبح عشرة أُسّ سالب واحد، ويمكن من دون تفاؤل مفرط توقّع أن تصبح القدرة المطلوبة متاحة تقنيًا في غضون السنتين أو الثلاث سنوات المقبلة. (وهو ما يجعل من الواقعي تحديد موعد للإضاءة الأولى في 1 يناير من عام 2000).
لكن هذا المفهوم الفني، فضلًا عن هذه الدراسات التقنية، كان سيقودني في رحلة خاصة جدًا، لم يكن بوسعي بأي حال أن أتصوّرها في البداية. فابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين (تاريخ أول مقال أشار إليه)، رحت شيئًا فشيئًا أقبل المشاركة في معظم الندوات التي كنت أُدعى إليها لعرض هذا المفهوم. وقد عُقدت أولى هذه الندوات في البندقية في يونيو 1980. وتلتها أكثر من خمس عشرة ندوة أخرى، ولا سيما في طوكيو (مؤتمر النهضة الثانية، أبريل 1983)، ثم في أثينا (المؤتمر الأوروبي للفلسفة، يونيو 1985)، حيث أُتيحت لي فرصة شرحه علنًا.
وبهذه الطريقة، اضطررت شيئًا فشيئًا إلى الإقرار بالأمر الواقع، وإلى أن أسمع جهارًا ما كنت قد حاولت أن أكتمه في أعماقي؛ ففي طوكيو، بعد
ص. 112
عرضي، لم يتمالك وزير MITI آنذاك، وقد أُعجب بجرأة المشروع، نفسه من أن يقول لي إن «سماءه هي سماؤه، وإنه لا يرى جيدًا بأي حق آتي إليها»؛ وفي أثينا، أبدى لي فلاسفة مختلفون من آفاق مختلفة الملاحظة نفسها. حينئذ قررت، في هذه الأماكن المختلفة، أن أستفيد من مكانة المتدخلين وأن أجمع بعضهم من أجل التفكير في الشروط الأخلاقية المسبقة لأي إطلاق لمفهوم من مفاهيم الفن الفضائي، بقدر ما كان على أي مفهوم أن يخاطب أنظار خمسة مليارات من سكان الأرض لم يُستطلع رأيهم قط. وقد أطلعني خورخي لويس بورخيس العجوز مرتين على تأملاته.
… لجنة الأخلاقيات
ثم كانت المغامرة ستتسارع، إذ عرف البروفيسور ر. دوديل، رئيس الأكاديمية الأوروبية، كيف يصغي إلى هذه الإشكالية الجديدة المرتبطة باستخدام التقنيات الجديدة ذات الغاية الفضائية في الأصل، و«تحويلها» إلى أغراض فنية. وهكذا، وبدعمه، تمكنت في 3 نوفمبر 1986، بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس اليونسكو، وأمام عشرات الخبراء القادمين من جميع أنحاء العالم، من إرساء أسس تفكير كان سيفضي إلى إنشاء «اللجنة العالمية للأخلاقيات من أجل استخدام سلمي للفضاء». وهذه اللجنة، التي يوشك تشكيلها أن يكتمل حاليًا، مهمتها الرئيسية التفكير في تشريع جديد ذي طابع دولي يتيح تجنّب عدد من الانحرافات، مثل ممارسة الإعلان في الفضاء، أو أيضًا وضع حدّ لبعض الممارسات الشائعة التي تؤدي إلى تلوث متزايد للفضاء، وهو تلوث يعود خصوصًا إلى انعدام «اللياقة» التام لدى مختلف وكالات الفضاء، التي تتخلص، دون أي اكتراث، من المرحلة الثالثة لصواريخها، على غرار ناقلات النفط التي تفرّغ غازاتها في البحر، تاركةً هناك حطامًا كثيرًا يتحول، وهو يسير بسرعة تقارب 11 كم في الثانية، إلى مقذوفات بالعدد نفسه.
واليوم إذن، بصفتي فنانًا، يسعدني أن ألاحظ أن مفهومًا من مفاهيم الفن الفضائي، هو العجلة السماوية، قد استطاع بقوته وحدها، ومع أنه لم يُنفَّذ بعد، أن يثير تساؤلات، وأن يدفع المؤسسات إلى تفكير استشرافي، مما يبشّر بأن الفن يمكن أن يكون الناقل الأبرز والأنجع للوعي.
عملية «رسائل البشر إلى الكون»
أما المفهوم الآخر الذي أنا أيضًا صاحبه ومصمّمه، والذي يربط الفن بالفضاء، فقد أُنجز — على خلاف سابقه — إنجازًا كاملًا. وهو يوضّح كذلك هذا التحوّل المجتمعي الذي نعيشه، حيث تتبدّل وجهات النظر، وحيث ترسم المعرفة ذات المنشأ العلمي آفاقًا جديدة، وحيث يُعاد أيضًا تشكيل تعريفات العمل الفني. وفي هذه الحالة، فإن مفهوم «رسائل البشر إلى الكون» يتمثّل في عملية جرت بين 6 يونيو 1986 و26 يناير 1987.
لا شك في أن بذور هذه العملية كانت كامنة وحاضرة في البيئة الثقافية التي هي بيئتنا (من دون أن تُعرَف حقًا بوصفها كذلك)، ولا شك أيضًا في أن «أدوات» تحقيقها كانت حاضرة
ص. 113
(المقراب الراديوي، الاتصالات المعلوماتية، الوسائل الإعلامية)، لكن لا شك في أن هذه العناصر كلها لم تكن قد التقت قط في آن واحد. ثم أليس هذا الحضور الكامن لهذه العناصر المختلفة هو ما أتاح لهذه العملية أن تحقق النجاح الذي حققته؟ هذا ممكن جدًا.
لكن، قبل أن أتناول المفهوم نفسه، لا بد لي أيضًا من القول إن عملية رسائل البشر إلى الكون هذه كانت تجمع بين ثلاث وقائع — أكسبتها مصداقيتها — وكلها لاحقة لهذه السنوات العشرين الأخيرة:
— فكما أُشير إليه في مطلع هذا المقال، استطاعت البشرية أخيرًا، للمرة الأولى قبل أقل من عشرين عامًا، أن ترى كوكبها من الخارج،
— ومنذ وقت قريب، صارت المعرفة ذات المنشأ العلمي توحي إلينا بأنه قد يكون من المعقول أن توجد في الكون ذكاءات «أخرى» غير ذكائنا،
— وأخيرًا، فإن الاتصالات المعلوماتية، وقد ظهرت في محيطنا المباشر، باتت تتيح لنا وسائل للاستدعاء والفعل، بمثابة امتدادات لأنفسنا — لم تُعرف من قبل.
وهكذا، بين 6 يونيو و25 يناير، عُرض على كل من يريد، إن رغب في ذلك ومتى شاء، أن يدوّن عبر Minitel رسالة لا تتجاوز صفحتين، تلك الرسالة التي كان يتمنى أن يقولها عن نفسه لهؤلاء «الآخرين» من غيرنا. وقد أُوضح فضلًا عن ذلك أن جميع الرسائل المجموعة على هذا النحو ستُبث في الكون من أحد أقوى المقاريب الراديوية في العالم، مقراب نانساي، وأن هذا البث سيتجه نحو قلب مجرتنا، وهو قلب ستبلغه هذه الرسائل بعد 30,000 سنة، وستغادر المجرة نهائيًا بعد 100,000 سنة. («المرآة» المتحركة لمقراب نانساي الراديوي تتيح بالفعل «التصويب» نحو نقاط محددة من المجرة). وأُشير أيضًا إلى أن هذه الرسائل ستنطلق إلى الأبد (مع مراعاة تخامد الإشارة) وأنها تسير بسرعة الضوء.
وبطبيعة الحال، ونظرًا إلى قلة اطّلاع معظم معاصرينا (فكيف يمكن لكل امرئ أن يعرف كل شيء عن كل ما يتعلق بشؤون علم الفلك والفيزياء الفلكية؟)، وتفاديًا لأن تُحسب هذه العملية خدعةً من قبيل الخيال، ذُكر بوضوح وجلاء أن المجتمع العلمي الدولي يكفلها. (وكان فرانسوا بيرو، عالم الفيزياء الفلكية في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) في ميودون، يشرف خصوصًا على بثها من المقراب الراديوي).
ومن جهة أخرى، تكرّم عليّ عدد من العلماء ذوي الشهرة العالمية، وبعضهم معروف جيدًا لدى الجمهور العريض، بأن سلّموني رسائلهم، تلك التي كتبوها بأنفسهم على Minitel. ومنهم مثلًا جان أودوز وميشيل كاسيه وجان كلود بيكر وهوبير ريفز، وقد سارعت إلى تزويد الصحافة برسائلهم. وكان ذلك ضمانةً حقيقية للنجاح، إذ سعدت برؤية وسائل الإعلام تستولي على العملية حرفيًا وتتناقلها. ومنذ ذلك الحين، تعرّض الجمهور لتكرار الخبر، إن لم يكن يوميًا فأسبوعيًا على الأقل، طوال الأشهر السبعة التي استغرقها جمع الرسائل. فقد شرّفتني صحيفة «Le Monde» مرتين بأعمدتها، وشرحت صحيفة «Quotidien du Peuple» في عددها الصادر في 23 أغسطس 1986 مبدأ العملية، وكذلك الإذاعات، France Inter وFrance culture وRTL وEurope 1، ومختلف القنوات التلفزيونية، مع حصرية الإطلاق لقناة TF1… وباختصار، شاركت جميع وسائل الإعلام، فجعلتني سفيرًا بقدر ما جعلتني خادمًا في خدمة العملية المذكورة.
ص. 114
وهكذا، فإن اقتراحًا — أن يرسل المرء رسالته — تعيد وسائل الإعلام ضخّه بانتظام في «الجموع»، كان سيتجسّد يومًا بعد يوم، ويتخذ شكلًا ويكتسب معنى. ومن مضمون متنافر في البداية، ومع مرور الزمن، كان سيتكشّف قريبًا مضمونٌ للرسائل، كما «تكشف» المتوسطات والمنحنيات الإحصائية وتُظهر للعيان، كان «سيرسم» قريبًا روح عصر، ويجعلها مدرَكةً في لاوعيها الجمعي، أشبه بصورة فوتوغرافية كنا نظنها لا تزال بيضاء، فإذا بها فجأةً، وقد وقعت في قبضة سائل الإظهار، تُفصح عمّا فيها.
وكان الإقبال على الخادم (عبر 3615) منتظمًا: 50,000 شخص في سبعة أشهر، أي نحو 200 إلى 250 شخصًا يوميًا. وكان معظمهم يطّلعون فيه على المعلومات المختلفة التي كانت، في نحو 200 صفحة، تقدّم معطيات عن الكون بوجه عام، وكذلك عن مختلف البرامج وتاريخ بحث المجتمع العلمي الدولي عن هذه الذكاءات المحتملة خارج الأرض. وكان خُمس الأشخاص يودعون فيه رسالتهم، ولإتاحة إجراء دراسات متقاطعة، كانت شاشات Minitel تقترح على من يشاء أن يذكر، إلى جانب نص رسالته، اسمه وعمره ومهنته وهوايته المفضلة، والمكان الذي كان فيه لحظة كتابة رسالته.
وخلال هذه الأشهر السبعة من جمع الرسائل، تمكّنت من متابعة جميع الرسائل التي كانت تصل خلال اليوم أو في الأيام السابقة، فقرأت شيئًا مما في قلوب معاصريّ أو من هواجسهم، أو على الأقل قلوب الذين رغبوا في أن يدوّنوا بحروف كهرومغناطيسية، وإلى الأبد، شذرةً صغيرة من أنفسهم، فيما شعروا بأنه جوهري أو جادّ أو طريف يستحق الإبلاغ.
وفي بعض أمسيات تلك الفترة، امتلأت بسعادة الوجود، وبرؤية ما كان يمكن أن يبقى مجرد فكرة يُطلق وجوده وجوهره.
وهكذا، في 26 يناير 1987، عند الساعة 10 بالتوقيت العالمي، انطلق في الكون من مقراب نانساي الراديوي أعظم عمل فني جماعي صمّمه الإنسان قط، وأكثر مشاريع التواصل إدهاشًا، على هيئة شريط كهرومغناطيسي يزيد طوله على مليار كيلومتر، شريطٍ كهرومغناطيسي انطلق من الأرض بسرعة نحو 300,000 كيلومتر في الثانية، شريطٍ كهرومغناطيسي يغامر متجهًا نحو مركز مجرتنا، شريطٍ كهرومغناطيسي مُرمَّز، يحمل شهادة أكثر من 10,000 إنسان يعبّرون عن إحساسهم بأنفسهم، وعن تطلعاتهم، وتناقضاتهم، واختلافاتهم، كائناتٍ بشرية تفكّر في الكون، شرعت للمرة الأولى في مخاطبة هؤلاء «الآخرين» المحتملين من غيرها…
وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور، يوجد هذا الشريط الكهرومغناطيسي على بعد نحو سنتين ضوئيتين منا: ولم يصادف بعدُ نجمه الأول، الذي لن يلتقيه إلا بعد بضع سنوات أخرى. وبعد ذلك، سيمرّ بنجم واحد في المتوسط كل أربع سنوات.
وبطبيعة الحال، ستكون هذه العملية قريبًا جدًا موضوع كتاب، يُختار فيه 200 رسالة من بين العشرة آلاف رسالة المتلقاة اختيارًا تمثيليًا، وستخضع، فضلًا عن المتعة التي ستمنحها قراءتها، لتحليل المضمون وللدراسات التي يتيحها علم اللغة الحديث.
ولا يمكنني بالطبع أن أختم هذا المقال من دون أن أقدّم لكم بعض هذه الرسائل، على سبيل المكافأة. وها هي مقتطفات منها، كيفما اتفق!
ص. 115
«…وماذا لو كان الوعي صفةً كونية تقفز، كما في لعبة ارتداد الحجر على الماء، من كائن إلى كائن، ومن مكان إلى مكان عبر المكان والزمان؟ الحياة على الأرض تنقضي بسرعة مفرطة، وتمضي كالحسرة. وإلى أين تمضي؟» (مارسيل كلاين، 84 عامًا)
«…أحب فلورانس حتى النجوم، وأودّ أن يعرف الكون بأسره ذلك» (بيير، 17 عامًا، تلميذ في الثانوية)
«…هنا يموت المرء، فهل هذا طبيعي؟» (ميشيل ج.، عاطل عن العمل)
«…اسمي سيلفي، عمري 16 عامًا، وليس لي صديق على الأرض»
«…احذروا منا!» (مجهول)
«…يا لها من موسيقى غريبة تلك التي لا بد أنها تصلكم من كوكبنا»، (ج. برينو، 37 عامًا، أمّ لطفلين).
«…أودّ أن أداعب ذكاءكم بذكائي علامةً على صداقةٍ ستكون على الأرجح بعد الموت» (آني، ممرضة، 24 عامًا)
«…أقسموا لنا أنكم فعلتم خيرًا منا، نحن الذين لم نفعل سوى ما في وسعنا». (فرانسواز أرمنغو، أستاذة الفلسفة)
«…لمَ لا يحيا جزء مني فيك، تذكّر» — «أرضنا رائعة لكننا ندمّرها. إنها تقاوم لأنها قوية، ولكن إلى متى؟» — «وإذا قيل لكم: في البدء كان الكلمة… فهل يعني لكم ذلك شيئًا؟ إن كان كذلك، فأعلمونا… بسرعة».
«ما مكانة الفكاهة في الكون؟» — «أنظر نحو السماء والنجوم، هذا الفضاء الوحيد الذي يلهمني الحب والسلام»…
أعتقد حقًا أن كون المرء فنانًا في الحقبة المعاصرة حظٌّ عظيم.
جان مارك فيليب
بيان وكالة الصحافة الفرنسية:
FRFR FRA0414 3 G 0318 FRA / AFP-FE78 Télématique-univers prev من Minitel… إلى الكائنات خارج الأرض
فيرزون، 26 يناير (AFP) — أُرسلت يوم الاثنين نحو 10,000 رسالة جُمعت عبر Minitel طوال سبعة أشهر في جميع أنحاء فرنسا، من مركز أبحاث علم الفلك الراديوي في نانساي (مقاطعة شير)، إلى الكائنات خارج الأرض، على يد السيد جان مارك فيليب، صاحب فكرة هذه التجربة، كما عُلم في المكان.
منذ 1 يونيو 1986، خُزّنت الرسائل، التي أُرسلت عبر Minitel إلى مركز خادم، على أقراص مرنة عولجت بالحاسوب ورُمّزت، لتُكيَّف أخيرًا مع مقراب نانساي الراديوي الذي يضم هوائيًا كبيرًا بارتفاع 45 م وطول 300 م، ومرآة متحركة بالأبعاد نفسها.
«ستسير الرسائل المسجلة على شريط كهرومغناطيسي في الفضاء بسرعة الضوء طوال عدة ملايين من السنين، كما أوضح السيد فيليب، وستلتقي النجم الأول بعد 20 عامًا.
وقد أطلق نحو ثلث المرسلين نحو العالم الآخر نداءات استغاثة إزاء تدهور حال الأرض. وقال السيد فيليب: «طُرحت كل الأسئلة التي لا نعرف كيف نجيب عنها، كما لو كان يُفترض أن هذه الكائنات خارج الأرض أذكى منا وأنها قادرة على الإجابة عنها». لكن كثيرين آخرين رومانسيون، مثل ذلك الشاب الذي كتب: «أحب فلورانس حتى النجوم، وأودّ أن يعرف الكون كله ذلك».
السيد فيليب فنان ذو تكوين علمي، يتحدّر من مقاطعة شير ويقيم في باريس، وهو شغوف بالعلاقة بين الفنون والعلم. وفي نظره، يتعلق الأمر هنا «بعمل فني». ويوضح: «الوسائل ليست هي نفسها، لكن المسعى متشابه». «لقد استنفرت كتابة هذه الرسائل مخيّلة الفرنسيين وأتاحت لهم أن يروا الكون بعين أخرى».
sw/PGb AFP 261824 JAN 87
ص. 116
العجلة السماوية
نصّ منقول عن الطبعة الأصلية (أرشيف جان مارك فيليب). © جان مارك فيليب / أصحاب الحقوق.