
جان مارك فيليب (كتالوج Galerie Attali)
جيل بلازي، «Jean-Marc Philippe»، كتالوج معرض Œuvres récentes، باريس، Galerie Attali، 1976 (مقتطف من مجلة Cimaise).
انظر: اللوحات، Protest Paintings
مترجم عن الفرنسية.
إن وضع التشخيصية والتجريد في سلة واحدة باسم تصوّر سخيّ للرسم إغراءٌ من أكثر الإغراءات شيوعًا اليوم؛ لكن التملّص على هذا النحو من اختلاف جوهري إنما هو إدامةٌ لخلط لا يقدّم للرسم شيئًا.
لقد أظهرت السنوات الستون الأخيرة بما يكفي في أي تباعدٍ وُلد التياران، حتى لا نهزّ أكتافنا بعد الآن أمام ما كان شيئًا آخر غير منافسات بين مدارس. فالقطيعة الجذرية التي وُلد منها الرسم التجريدي لدى ثلّة من الرسامين المتفرقين جعلته منذ نشأته غير قابل للتوفيق مع شقيقه الأكبر التشخيصي
قد نحب في أوروبا ماتيس وبيكاسو من جهة، وموندريان وماليفيتش من جهة أخرى، لكننا لن نستطيع، من دون خفّة يد، أن نوهم أحدًا بأن الرهان كان واحدًا لدى هؤلاء الرسامين الأربعة. فإذا كان ماتيس وبيكاسو قد فتحا فصلًا جديدًا في تاريخ الرسم، فإن موندريان وماليفيتش يظهران في نظام آخر، إذ يدشّنان ما هو لا يزال رسمًا حقًا، ولكنه مع ذلك مختلف اختلافًا جوهريًا عمّا كان قبله. وحين يقدّم الأولان، مهما يكن من أمر، تأويلين آخرين
في داخاو. 1971، 162 × 130 سم، زيت على قماش. مجموعة خاصة، أثينا
ذخيرة. 65 × 50 سم، حبر صيني على ورق
من بين ما لا يُحصى من تأويلات العالم، يبتكر الآخران عالمًا جديدًا، ويفتحان أبواب لغة جديدة هي عالمٌ قائم بذاته.
إن موندريان وماليفيتش — إذا أخذنا أوضح رسامي الموجة التجريدية الأولى وأكثرهم دلالة — حين لم يعودا يلجآن إلى الأشياء أو الشخوص، واكتفيا ببضع علامات هندسية بسيطة لبناء لوحة، قد قطعا مع الرسم التشخيصي الذي كانا قد خبراه بعناية، كما ينقطع المرء أحيانًا عن ماضٍ قد يكون مكوِّنًا، لكن ثماره كلها قد ماتت بفعل التقادم.
هذه القطيعة، التي تنطوي في ذاتها على كل حرية الرسم الآتي، ينبغي أن تُقرأ كالقطيعة التي تسِم، بحسب ألتوسير، داخل أعمال ماركس، ولادة المادية الجدلية. فالتجريد لم يولد ولادة طبيعية من الانطباعية أو التكعيبية، وإن كان ينبثق منهما. لقد وُلد من وعي جذري بطبيعة الرسم وإمكاناته. إلى حدّ أنه لم يعد بوسع أي رسم اليوم ألا يُحيل إليه (إلا إذا كان يريد إبراز تفاهته).
صورة مفهوم. 1972، 146 × 114 سم، زيت على قماش. مجموعة R.، باريس
احتجاب. 65 × 50 سم، حبر صيني على ورق
جان مارك فيليب من أبناء «القطيعة». لم يكن عليه، كما لا يزال على كثير من الرسامين من جيله، أن يقطع الطريق الذي يقود من الشكل إلى العلامة وأن يعيش من جديد تجربة القطيعة. فقد جاء إلى الرسم من الرياضيات، واستغنى عن مدارس الفنون، فلم يكد يضيّع وقته في إغراءات عقيمة أو في تمارين لا طائل منها.
أن يرسم كان يعني منذ البداية أن يكون رسامًا تجريديًا. لا أن يكدح أمام الموضوع، بل أن يغامر فورًا في حقل العلامات. وكما هي حال كثير من رسامي جيله، كان المثال الأمريكي، مثال راوشنبرغ وآد راينهارت، حاسمًا بالنسبة إليه، لأن العصر الثاني للرسم التجريدي ازدهر فيما وراء الأطلسي، وفيما وراء الأطلسي سيبلغ نضجه في فنه. وغلبت الحركة بطبيعة الحال. ولا شك في أن اندفاع الذراع، الذي يبتكر الشكل واللون في الحال، كان ردًّا على صرامة العلم المصمَّم للتحليل أو البناء.
انتزاعٌ من مناهج تفكير مريحة أكثر مما ينبغي؟ أم عودةٌ إلى لعب الجسد؟ كان جان مارك فيليب بطبيعة الحال تجريديًا غنائيًا، وهذه الانطلاقة
القرن العشرين – شذرة. 150 × 205 سم، أكريليك على قماش
العفوية في الرسم تحلّ من الآن فصاعدًا، لدى كثير من الفنانين، محلّ التطبيق اللاشخصي لتعاليم المدارس. أما العمل، والأسئلة، والجهد، والاتزان، فتأتي بعد ذلك — في خضمّ الحركة.
لكن الحركة سرعان ما ستبلغ حدّها، عالقةً بين التقريب والتكرار. عفويةٌ زائفة، وأيديولوجيا التجرد من ثقافة العلامات. فرقص الذراع أمام القماش لا يمنع من التفكير في علل وجود الرسم. والعقل لا يتراجع طويلًا أمام المهمة الصعبة المتمثلة في تحديد نمط الرسم وتثبيت شيفرته.
لقد كان في جان مارك فيليب من الشمال أكثر مما ينبغي، كما كان يقول أندريه بروتون، ليدع نفسه تنجرف مع الحمّى الخطّاطة للألعاب النارية. لقد استقرّ رسمه. وذابت فيه الحدّة في الانتباه. ووجدت الصرخة قوتها الأولى لا في الصخب، بل عند تخوم الصمت، وواجهت الحرية الخطية الفضيلةَ الراسخة لخطٍّ مستقيم.
ونجد الرسام في مرحلته الثانية مستندًا إلى بنى هندسة صارمة وبسيطة، يتعمّق فيها الرسم بالمساحات اللونية المسطحة، وتتنفس فيها العين. لكن تمزقًا مرسومًا
أثر باقٍ. 65 × 50 سم، حبر صيني على ورق
ديناميكية بافلوفية. 1976، 162 × 130 سم، أكريليك على قماش
بخداع البصر يقطع الخط، وسيلانٌ يشقّ المستوى، ولطخةٌ تكسر الصرامة، وامّحاءٌ يعيد الحركة، وآثار كتابةٍ تنقض الامتداد الهادئ للرسم.
من هذا الجدل بين الشكل الممتلئ والشقّ، بين الجمالي والتعبيري، يولد التوتر الخاص الذي يقوم عليه رسم هذا الرسام. وله أن يستعير من الجدار أو من السياج الخشبي — فيردّ فنه بذلك إلى الطرفة —، غير أن العناصر التي ينتزعها من العالم ليضعها في رسمه لها من الوجود بوصفها علامات أكثر مما لها بوصفها أشياء. علاماتٌ حاضرة أصلًا في أعماق ذاكرتنا.
لغتان تتحاوران هنا داخل لسان واحد: التناقض هو الحوار، ومن امتياز الفنان أن يستطيع عيش التناقضات من دون تأنيب ضمير. أما اللسان، فهو لسان ماليفيتش وموندريان، ونيومان، وراوشنبرغ، المجرَّد المعاد ابتكاره، الذي اعتدنا أن نسمّيه تجريدًا، والذي ليس سوى هذا الجديد الذي جاء به القرن: الرسم ذاته — هذا الفن الذي يعبّر، في لحظة نظرة، عن كلية العالم.
جيل بلازي
galerie attali 159 bd saint germain paris 6 مقتطف من cimaise، العدد 127-1976
الأعمال المصوَّرة
العناوين والتواريخ والأبعاد والتقنيات كما طُبعت في التعليقات (التعليق الذي يحمل علامة يحيل إلى النسخة المصوَّرة على صفحة كاملة في الصفحة التالية):
- في داخاو، 1971، 162 × 130 سم، زيت على قماش. مجموعة خاصة، أثينا
- ذخيرة، 65 × 50 سم، حبر صيني على ورق
- صورة مفهوم، 1972، 146 × 114 سم، زيت على قماش. مجموعة R.، باريس
- احتجاب، 65 × 50 سم، حبر صيني على ورق
- القرن العشرين – شذرة، 150 × 205 سم، أكريليك على قماش
- أثر باقٍ، 65 × 50 سم، حبر صيني على ورق
- ديناميكية بافلوفية، 1976، 162 × 130 سم، أكريليك على قماش
نصّ منقول عن الطبعة الأصلية (أرشيف جان مارك فيليب)، يُنشر بموافقة أصحاب الحقوق.